الجاحظ
18
رسائل الجاحظ ( الرسائل الأدبية )
ان النبل هو الفضل وكرم النفس ( وهو خصلة يفطر عليها بعض الناس ولا يمكن اكتسابها أو تكلفها : « ومتى كنت من أهل النبل لم يضرك التبذل ، ومتى لم تكن من أهله لم ينفعك التنبل » . ان النبل لا يكون بالتنبل ولا العظم بالتعظم ، هذا ما يقرره الجاحظ عملا بمبدئه الفلسفي القائل إن الاخلاق طباع وليست نتيجة الاكتساب والتربية . وصفات النبل هي المروءة ، وبعد الهمة ، وبهاء المنظر ، وجزالة اللفظ ، والمقامات الكريمة . ولا يكون المرء نبيلا « حتى يكون نبيل الرأي ، نبيل اللفظ ، نبيل العقل ، نبيل الخلق ، نبيل المنظر ، بعيد المذهب في التنزه ، طاهر الثوب من الفحش ، ان وافق ذلك عرقا صالحا ومجدا تالدا » . أضف إلى ذلك التواضع والانصاف والصبر والحلم . وهكذا غدا النبيل مجمعا لجميع الفضائل الخلقية والجسمية والاجتماعية . اما التكبر فقد عالجه الجاحظ في القسم الثاني من الكتاب ، واعتبره صفة قبيحة في الانسان ولا يستحسن الا في ثلاثة مواضع : إذا كان المتكبر بدويا غير متحضر ، فيكون كبره من بقايا الجاهلية والعنجهية الاعرابية . وإذا كان انتقاما من عدو متجبر . وإذا كان معارضة للملوك الجبابرة . ومن صفات المتكبر التعظم على الصديق ، والتغافل عن الضيف والمن على الضعيف ، واحتقار من هو دونه والخضوع لمن فوقه . انه لئيم يظلم الضعيف ويطلب الهارب ، ويهرب من الطالب ويستخف بالأديب ، ويكذب وينم ويخون ، ويبذخ ، وينفج ، ويصلف . اما عواقبه فوخيمة : انه يسبب لصاحبه مقت الناس وسخط اللّه ، ويبعده عن العلم والفلاح والحقيقة ، ويزين له الشر والمعصية وقد عبر الجاحظ عن ذلك بقوله الجامع المانع البليغ « ما رأيت أوبأ مغبة وانكر عاقبة واوخم مرعى